شمعون ليفي .. ألمعي النضال ضد “الصهيونية” والدفاع عن الهوية المغربية

شارك مع صديق



عقد كامل طوي منذ رحيل الناشط السياسي والثقافي المغربي البارز شمعون ليفي، عمل فيه من أجل الاستقلال، والديمقراطية، والتحديث، والتعليم، وصيانة الذاكرة المغربية في شقها اليهودي، وقول لا لاضطهاد الشعب الفلسطيني.

إشعاع متعدد والاسم واحد

شمعون ليفي مؤسس متحف التراث الثقافي اليهودي، وشمعون ليفي القيادي بالحزب الشيوعي المغربي وبعده حزب التقدم والاشتراكية، وشمعون ليفي الأمين العام لمؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، وشمعون ليفي المحاضر والمناضل والأستاذ الجامعي واللسانيّ والباحث والنقابي… صفات متعددة تتجدّد ذكراها في سنة رحيله العاشرة.

شمعون ليفي، أو سيمون ليفي، ارتبط اسمه، أيضا، بتقليد مغربي تصدّرت فيه صف الدفاع عن القضية الفلسطينية شخصيات مسلمة ويهودية ولا دينية ويسارية وإسلامية وقومية وغير منتمية، لا تجمع بينها إلا الراية المغربية، والكوفية الفلسطينية، وقضايا إنسانية أخرى.

رفض شِيمون ليفي الجنسية الفرنسية وما يرتبط بها، عندما كانت فرنسا تعطي جنسيتها لليهود مباشرة، دون المسلمين، ورفض اعتباره فرنسيا ودعوته إلى التجنيد الإجباري الفرنسي للمشاركة في الجيش الفرنسي خلال الحرب ضد الثورة الجزائرية، زمن الاستعمار، رغم ما يرتبط بذلك من تهديد بتقديمه أمام المحكمة العسكرية، قائلا، وفق السياسي اليساري البارز إسماعيل العلوي: “أنا مغربي، ولدت بفاس، وهذا القرار في غير محله، وأرفضه مهما يكن”.

ليفي الذي شهدت مسيرته اعتقالا وتعذيبا وتضييقا إداريا وثقافيا أيضا، لم يطلّق الثقافة في سبيل السياسة، وكان صوتا بارزا في الطائفة اليهودية المغربية، في سبيل حفظ الموروث المغربي اليهودي، والحاجة إلى عدم تغييبه في المقررات الدراسية، مع تأكيده على رفض الربط بينه وبين إسرائيل، أو استغلاله لتبرير مصالحها.

كما كان أيضا قلما صحافيا، زمن إشعاع الصحافة الحزبية، ورئيس تحرير مجلتي “الوطن” و”الجماهير”، فترة محدودة، ثم جزءا من أسرة تحرير صحيفة “البيان” بالفرنسية، التابعة لحزب التقدم والاشتراكية.

وحول “الأزمة التنظيمية للجماعة اليهودية المغربية”، كان شمعون ليفي قد تحدث في حوار مع “إذاعة هولندا العالمية”، عقب التغيير الدستوري الذي تلا حراك 20 فبراير 2011، عن كونها وضعا لا يمكن تغييره مادام هناك “فرد أو فردان يتحركان ويتحدثان باسمنا”، قبل تسجيله أن “هذا لم يعد معقولا”.

وفي خبر نعيه، كتبت وكالة الأنباء الرسمية (وكالة المغرب العربي للأنباء) “يعتبر شيمون ليفي من الرعيل الأول للمناضلين الشيوعيين المعادين للصهيونية.”

وقالت برقية التعزية، التي بعثها الملك محمد السادس إلى أسرة الراحل، إن شمعون ليفي كان “أستاذا ألمعيا ومناضلا تقدميا، شديد التعلق بمغربيته، عاملا بكل تفان وإخلاص واعتزاز على إبراز إسهام التراث الثقافي اليهودي المغربي في ترسيخ خصوصيات الهوية المغربية الأصيلة، المتميزة بتعدد روافدها، وبانصهارها في هوية موحدة، قائمة على القيم السامية للتسامح والتعايش والسلم والعدل والإنصاف، مجسدا التزامه بهذه القيم المثلى بنصرته للقضايا الوطنية والفلسطينية والدولية العادلة”.

نضال وطني

قال إسماعيل العلوي، القيادي التاريخي بحزب “التقدم والاشتراكية”، إن شمعون ليفي، عندما تكون هناك مناسبة، كان دائما ما يطرح “مع اليهود وغير اليهود قضية الشعب الفلسطيني وضرورة إنصافه، مع التنديد بأصل الصهيونية الاستعماري، الداخل في إطار مخطط الإمبريالية منذ الحرب العالمية الأولى”.

وأضاف الفاعل السياسي البارز والوزير السابق “كان شمعون ليفي من الأوائل الذين كونوا نواة انطلاقة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، مع آخرين مثل عبد الكريم بوجيبار أساسا، بتكوينهم جمعية الطلبة المغاربة في فرنسا، التي كانت النواة المؤسسة”.

واستحضر العلوي اعتقال ليفي بالدار البيضاء عندما كان أستاذا للغة الإسبانية، قائلا: “ألقي عليه القبض، في 23 مارس 1965، مع عدد من مناضلي اليسار، مثل المازني، وإدموند عمران المالح، وعذب بشكل وحشي، دون أن يغير هذا شيئا من التزامه وموقعه في النضال من أجل نصرة الشعب المغربي على جميع المستويات الوطنية والاجتماعية”.

وتابع إسماعيل العلوي “ظل شمعون ليفي وفيا لاختياراته التي آمن بها منذ شبابه، بالنضال من أجل الاستقلال أولا، ثم النضال من أجل ترجمة هذا الاستقلال حتى يستفيد منه كل المواطنين، وأساسا الكادحون منهم والمستضعفون، وهو كفاح لم يصل بعد إلى هدفه بشكل شامل”.

صيانة للتعدد والذاكرة

“عندما نذكره نذكر الحفاظ على التراث اليهودي المغربي، فقد كان رائده في المغرب”، بهذه الكلمات تحدثت عن شمعون ليفي محافظة متحف التراث الثقافي اليهودي بالدار البيضاء، زهور رحيحيل، التي اشتغلت سنوات إلى جانبه في المتحف ومؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، حينما كان أستاذا لها.

وأضافت رحيحيل، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، “انطلق المغرب بإرادة ملكية سامية في ترميم البَيعات منذ 1997، وهو ما تم في إطار مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي مع شمعون ليفي، ومع ثلاثة وجوه بارزة أخرى، هي سيرج بيرديغو، وجاك طوليدانو، وبوريس طوليدانو. ويعود إلى هذا الرباعي المغربي الفضل في وجود متحف يهودي مغربي هو الأول من نوعه في العالم العربي والإسلامي”.

وتابعت الباحثة والمحافظة قائلة: “من درّسنا، كباحثين مغاربة مسلمين نهتم بالإرث الثقافي اليهودي، هو شمعون ليفي، فهو الأستاذ. وحتى المفاهيم المستعملة اليوم بحثيا هي مفاهيم تم استعمالها لأول مرة من طرفه”.

ونبهت رحيحيل في هذا الإطار إلى أن هذا العمل “بدأ منذ أكثر من ثلاثين سنة، وليس وليد اليوم، ولم تكن هناك قطيعة للمغرب والمغاربة مع إرثهم العبري، ومع إخوانهم المغاربة اليهود أنّى كانوا”.

واستحضرت المتحدثة كون ليفي كان “أول من نادى بضرورة تدريس المكون العبري المغربي في المقررات الدراسية للبلاد، وأعد مشروعا مع وزارة التربية الوطنية من أجل هذا أواخر التسعينيات، وكان يناضل في هذا الإطار، ويولي أهمية كبرى للمدرسة، واستقبال التلاميذ والطلبة المغاربة في المتحف، رهانا على المستقبل”. وهو عمل يستمر فيه متحف التراث الثقافي اليهودي المغربي إلى اليوم.

كما تذكرت رحيحيل “الصلة الأصيلة المغربية” لشمعون ليفي بالدين اليهودي. وزادت شارحة انطلاقا من ملاحظاتها: “كان كثير من اليهود يفاجؤون بأصالة الطقوس والتراتيل المغربية في صَلاته، ويقول البعض بتعجب: شيوعي ضابط للدين”، قبل أن تعلق قائلة: “أجل، وضابط للأصالة المغربية”.

ووصفت محافظة متحف التراث الثقافي اليهودي الراحل شمعون ليفي بكونه “شخصية فذّة، طوينا مع وفاتها صفحة، مدرسة، أعطت الكثير في مجال الثقافة المغربية، لأنه كان متمكنا؛ عالم لسانيات، ومهتما بالتاريخ، متقنا للّغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية، والدارجة، والإسبانية، والبرتغالية، وعارفا بالعبرية أيضا”.

وفي ختام تصريحها لهسبريس، تطرقت رحيحيل إلى إشكالات “غياب ثقافة الاعتراف” برموز رائدة مثل شمعون ليفي، قبل أن تضيف “يجب علينا الاعتراف بالرواد، وأدائهم الوطني، وعلينا تقدير عطاء شمعون ليفي في سبيل التعددية، ودفاعه عن الثقافة الأمازيغية واللغات الأمازيغية؛ فقد كان وطنيا، ومناضلا، لا ينتظر مقابلا، بل يناضل من أجل المغرب والمغاربة والذاكرة اليهودية للمغرب”.



Source link

اترك ردّاً